اختر صفحة

نبذة من حياة السيد المؤسس العلامة حسين بن أبي بكر الحبشي

ولد السيد العلامة حسين الحبشي فى مدينة سورابايا وهى ثاني أكبر مدن إندونيسيا بعد عاصمتها جاكرتا فى 21 – 4 – 1921م من أبوين كريمين؛ السيد أبو بكر الحبشي, ويرجع نسبه ونسب السادة العلويين بحضرموت وإندونيسيا وبعض دول آسيا إلى مولانا على العريضي إبن الإمام جعفر الصادق (ع). وقد ذاق المرحوم الأستاذ حسين الحبشي مرارة اليتم وهو لم يبلغ عامه الأول فقامت أمه مقام أبيه فى تربية إبنها وتنشئته تنشئة صالحة، فكانت والدة المرحوم من أسرة علمية معروفة، كما قام بتربيته خاله الشيخ محمد بن سالم بارجاء أحد الأساتذة المعروفين فى حينه.

فكان أول حياته العلمية هو تعلمه القراءة والقرآن ثم بعده التحق بالمدرسة الدينية التابعة لمؤسسة ” الخيرية “ وهى أكبر مدرسة دينية عربية فى وقتها , تعلم فيها مبادئ العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب عربى عن أساتذة عرب كما تعلم التفسير والفقه والحديث والتاريخ الإسلامي من أساتذة أكفاء، منهم؛ السيد العلامة المحدث عبد القادر بلفقيه الحسيني محدث عصره، والشيخ رباح الخليلى أحد علماء الازهر الذى هاجر إلى اندونيسيا للدعوة والتدريس، وغيرهم كثير.

وبعد أن أنهى دراسته صار أستاذا فى تلك المدرسة فقام بالتدريس لفترة وجيزة قبل أن يهاجر مع أخيه إلى ماليزيا بلد أقربائ أبيه حيث قام بالتدريس في بعض مدارسها الدينية بجانب قيامه بالدراسة والتلمذة على يد مفتي مملكة ” جوهر بهاروا ” العلامة المحقق السيد علوي بن طاهر الحداد الحسيني – صاحب التصانيف القيمة والمؤلفات النفيسة منها القول الفصل المشهور.

ثم بعد ذلك عاد إلى وطنه ودخل دنيا السياسة ساعيا إلى تطبيق شريعة الإسلام فى أرض إندونيسيا فانضم إلى حزب الشورى الإسلام، وبعد فترة صار عضوا مهما فى ذلك الحزب وفى خمسينات كان السيد المؤسس عين كنائب رئيس مجلس الشورى الشعيى الأعلى عندما انتصر الحزب المذكور فى الإنتخاب العام قبل أن أصدر رئيس الجمهورية الاندونيسية الأول المنع من قيام ذلك الحزب بأية نشاطات سياسة وملاحقة رجاله.

ثم بعد ذلك رأى أن السبيل الصالح فى بث الوعي بالحاجة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليس إلا القيام بالدعوة ونشرالثقافة و المفاهيم الإسلامية الأصيلة خاصة بين الشباب والناشئة فقام أول ما قام بالتعاون مع بعض الشباب الجامعين و المثقفين بتأسيس ”مؤسسة النشر الإسلامي” فاتخذ سورابايا مركزا لهذا النشاط التبليغي فأصدر كتبا و رسائل ونشرات لتبصير المسلمين بنقاط قوتهم وبث روح العزة في نفوسهم والثقة بالذات، وقد ترجمت هذه النشرات إلى عدة لغات عالمية حية وتُبعث إلى عدة بلدان أوربا و أمريكا وأفريقيا.

فكان هذا نشاطه بجانب قيامه بالتبليغ عبر منابر المساجد و المنتديات، والمرحوم رجل منبرى وخطيب مصقع له قوة التأثير ما يندر مثيله من بين الخطباء بجانب أنه كاتب قدير له قوة التحرير وصاحب القلم السيال، وجمعت خطبه المنبرية وطبعت فى جزئين وباقي المحاضرات والخطب لا تزال فى الكاسيتات لم تطبع.

ثم استقر رأيه أخيرا و اقتنع بأهمية فتح معهد لدراسات علوم الدين فقام بتأسيس المعهد الإسلامي سنة 1971 م أولا فى مدينة بوندواسا، فكان وجوده فى هذه المدينة يعود بالخير الكثير لأهلها فى تطور التربية والتعليم. ثم بعد عدة سنوات ولأمر وآخر، قرر أن ينقل مركز مؤسسته إلى مدينة بانجيل سنة 1976 م.

ثم بعد التطور والتقدم، بجانب زيادة عدد الطلاب بنى معهده الكبير (يقع على الارض سعتها + 20.000 مترا مربعا) بقرية ” كنف” قرية تبعد من مدينة بانجيل حوالي أربعة كيلومترا حيث المعهد الآن، وفتح ايضا معهدا لتعليم البنات والروضة للأطفال.

وكان جل أوقاته و طاقته وتفكيره منصب نحو تقدم المعهد وطلابه ومريديه، وهو – علاوة على قيامه بالإشراف المباشرلما يجرى فى المعهد- قام أيضا بتدريس بعض المواد الدراسية لكبار الطلبة كاللغة العربية والأدبيات وأصول الفقه والتفسير والحديث والفقه و العرفان الإسلامي ( التصوف ) والتوعية ( وهى عبارة عن جلسات يعقدها السيد المرحوم لتصعيد روح الحماسة والوعى للواقع الإسلامي على ساحة الاحداث الراهنة ). فببركة هذه الجهود المبذولة من سماحته فقد أثمرت شجرة تربيته الموفقة ثمرات طيبة فى تلاميذه، وذلك يلمس ممن تخرّج على يديه من تلاميذ فصاروا أساتذة فى المجتمع الذى عاشوا فيه، إضافة إلى تمكنهم من الإلتحاق  بالدراسات العليا خارج البلاد كمصر وباكستان والهند وقطر والحجاز ودول الشرق الاوسط الأخرى.

كان الأستاذ المرحوم سواء أمام تلاميذه أو أمام المسلمين عامة , عبر منبر الجمعة والعيدين أو النادي الأسبوعي أوالمناسبات الأخرى – دائما و بدون ملل ولا كلل يؤكد على ضرورة وأهمية الوحدة بين المسليمين و تنسيق الخطى و المساعي بين شرائح الأمة، والتسامح بين أتباع المذاهب وإعطاء حرية التفكير (خاصة لتلاميذه)، حتى لا تتمكن المفاهيم الضيقة أن تكبل حرية ووعيهم.

بأفكاره النيرة و بنداءاته المدوية إستطاع أن يخلق بين المسلمين جوا / أفاقا جديدة من التفكير يعطى الأولوية ويقدم مصالح الإسلام على مصالح المذاهب أو الطوائف.

كما أن جهوده المخلصة المتواصلة فى هذا السبيل قد ظهرت ثمارها جليةً في أفكار طلاب معهده المبارك المنتشرين فى أنحاء البلادو في أفكار المستجيبين لدعوته حتى صاروا القوة المحركة للانفتاح الفكري ودعاةً فوق المذهبية ولم تكبلهم الأفكار الضيقة و العصبية الطائفية.

ولهذه الغاية نفسها، أعطى الأستاذ المرحوم أوقاته الغالية والعامرة للرحلات الدعوية إلى الجزر النائية التى يسكن فيها المسلمون كجزيرة إيريان جايا ، وجزر مالوكو ( أمبون ) وكليمنتان وسولاواسي وغيرها , بل كان فى أواخر عمره الشريف سافر لعدة مرات إلى ماليزيا لينفخ فى أهاليها روح الإنفتاح والحماس فى سبيل دعوة الاسلام المحمدي .

إضافة إلى ذلك كان المرحوم كثير الحضور فى المؤتمرات والسمينرات المنعقدة سواء كانت داخل اندونيسيا او خارجها، كمؤتمر الوحدة بين السنة والشيعة المنعقد فى كوالالمبور ”عاصمة ماليزيا” و مؤتمر أئمة الجمعة و الجماعة و مؤتمر أسبوع الوحدة.

وفى سبيل القيام بالدعوة والتبليغ، يعانى المرحوم أنواع الأذى والمحن وضروب المضايقة وصنوف الصعوبات والعراقيل سواء من قبل الضيقى الأفق والتفكير والعوام المتأثرين بدعايات المضللين أو من قبل حكام عصره.

والفتن التى تبثها الأطراف المعادية له ولرسالته التي جاهد فى سبيل تحقيقيها لا تثنيه عن المضي فى هذا السبيل ولا تزعزع عزمه القوي عن القيام بهذ الأمر، وكان من جرائها أن يقابل أجهزة الحكومة وجها لوجه و تودعه السجون مرات عديدة. ولكن الاستاذ – رحمه الله – يواجه كل ذلك بكل صلابة وحزم وصبر وتوكل قلَّ ما يوجد لذلك نظير. بل – وبكل رحابة صدر – سامح وعفى عن كل من سبَّبَ – بجهله عن الاسلام – له الصعوبات والاذى وللمضابقات.

ثم بعد أن قضىالعلامة المرحوم عمره في سبيل الإسلام لبىَّ نداء ربه والتحق بجوار قدسه صبيحة يوم الجمعة 2 شعبان عام 1414 هـ عن عمر يناهز 72 عاما، فكان نبأ وفاته صدمة لقلوب محبيه والمسلمين عامة، فانهال سيل من الأمة يأمون بيته المتواضع من كل فج وانحاء. فكان – حقا – يوما مشهودا، فشيعوا جثمانه الطاهر إلى مقره الأخير حيث الروح والريحان والروضة من رياض الجنان بكل حرارة والدموع تنهطل من عيونهم الحزينة و قلوبهم المفجوعة، فلم يُر تشييع أعظم من تشييع جنازته ولم يشهد يوم أكثر بكاء من يوم وفاته.

وبعد أن يصلى عليه فى بيته ، شيعوا جنازته إلى المسجد الجامع ويصلى عليه ثانيا ثم منه إلى المعهد الاسلامي فدفن – رحمه الله – بجنب المسجد ” الثقلين ” داخل حرم المعهد الإسلامي. فرحم الله فقيد الامة الغالي رحمة الابرار وألحقه بمن يتولاه وحشره مع آبائه الطاهرين أنه سميع بصير وعلى كل شيئ قدير.